السبت، 10 مايو، 2008

أسامة بن لادن و أيمن الظواهري و الصراع من أجل من البقاء

تعكس رسالتا أسامة بن لادن و رسالة أيمن الظواهري الأخيرة حالة التخبط و العشوائية التي آل إليه تنظيم القاعدة، كما تعكس هذه الرسائل و توقيتها حجم التنافس المرير بين أسامة بن لادن و أيمن الظواهري على قيادة الحركة الجهادية. فلعبة القط و الفأر بين الرجلين طفحت إلى العلن لتعلن أمام الملأ أن ما كان مجرد فرضية إلى حد الآن بات أمرا حقيقيا وحتميا يؤكده الرجلان بمناسبة أو بدون مناسبة.

كلما تحدث أحدهما إلا و جاء بعده الآخر برسالة منافسة تبدو في الوهلة الأولى و كأنها تكملة لرسالة الآخر إلا أن قراءة متأنية و موضوعية تثبت العكس تماما، إذ أن الرجلين في صراع محموم على الظهور الإعلامي و في حرب إعلامية شعارها "الحرب خدعة" إلا أن حنكة الرجلين و دهاءهما حال دون الدخول في سجالات كلامية بحتة لن تنفع بادئها و لن تشفع المستهدف منها. ذلك أن سجالا مباشرا على شبكة الإنترنت لن يخلق إلا مزيدا من المرارة و الإحباط و اللامصداقية.

في رده على أسئلة الشبكة العنكبوتية بدد الرجل الثاني في القاعدة أي آمال في توضيح واقع الوضع السائد في ريادة القاعدة إذ أعلن مسبقا أنه لن يرد على أي سؤال يتعلق بالوضع السائد في هرم السلطة التابع للتنظيم و التناحر المفترض بين أقطابه مؤكدا بذلك أن ما يوصف بخلافات في أوساط القيادة هو واقع سائد. فلو لم يكن الوضع كذلك لقال الظواهري "لا مشاكل بين قادة القاعدة. كل واحد منا يجاهد من موقعه و كل منا مخلص للآخر و ولي أمرنا هو الشيخ أسامة بن لادن." فلماذا لم يصرح الظواهري بكلمات يسيرة تنفي ما يدور في أروقة شبكات التحليل و في عقول الجهاديين حول تعقد الوضع الداخلي للقاعدة؟ السبب أن أي نفي تأكيد و أي تأكيد انتحار نهائي. و بذلك أضحى الظواهري في موقف حرج أجاب أو لم يجب، أكد أو نفى. أما أسامة بن لادن فلم يتطرق إلى الموضوع إطلاقا و كأنه بذلك يقول للسائلين إن القافلة تسير، بما أن قيادته لقافلة القاعدة على حالها فلا كلمة واحدة تفصل بين المنافسين و تشفي غليل السائلين.

مسألة الصراع على هرم القاعدة ليست جديدة فهي تعود و تشتد كلما ظهرت بوادر في الأفق على احتدام الصراع بين أقطاب التنظيم. فالمتتبع لأخبار القاعدة يلاحظ هذا الصراع المحموم بين قطبيها الرئيسيين: قائدها المتهالك أسامة بن لادن و نائبه الطموح أيمن الظواهري. فكلما ظهر واحد منهما برسالة مصورة أو صوتية يتبعه الثاني، بعد أيام قلائل، برسالة تحمل في طياتها نفس المعنى و الفحوى. فهكذا طل علينا الظواهري برسالة إلى أهل غزة و تبعه بعيد ذلك أسامة بن لادن برسالة تدعو الشعب الفلسطيني إلى الإلتحاق بالقاعدة في العراق، و بعد رسالة بن لادن اختار الظواهري مجموعة من الأسئلة المتعلقة بعلاقة القاعدة بحماس الفلسطينية للرد عليها في آخر ظهور له على شبكة الإنترنت. و هكذا يحاول كل منهما أن يستحوذ على القضايا الرئيسية في العالم الإسلامي و على القضية الأم، أي القضية الفلسطينية.

يتنافس الرجلان على الظهور على المواقع الإعلامية، و يتنافسان على القضايا و المواضيع التي يطرحانها، إلا في قضية واحدة ألا و هي قضية الرد على مراجعات السيد إمام الشريف. حيث يبدو أن القضية قضية شخصية تلازم الظواهري و تعكر صفو حياته. فالرجل تحدث عنها في أكثر من مناسبة و خصص أكثر من مئتين صفحة للرد عليها في كتابه "البراءة" بينما لم يذكرها بن لادن و لو مرة واحدة منذ أن أطلقها صاحبها.

"القائدان" إذن يتنافسان على الظهور و اختطاف المواضيع، و يفترقان في معالجة المواضيع الشخصية، لأن ردود الظواهري على مراجعات السيد إمام مسألة شخصية تمس كبرياء الظواهري و تطعن مصداقيته و تأسس حاجزا يحول دون وصوله إلى أعلى هرم السلطة في التنظيم الجهادي.

في المقابل يتأجج الصراع بين الشيخين و يصل إلى أقصى درجاته في محاولتهما اليائسة لاستغلال القضية الفلسطينية لأغراض شخصية بحتة مثلما فعل معظم الزعماء العرب منذ الخمسينيات إلى يومنا هذا و هم يحاولون احتكار هذه القضية و الإطناب في الحديث عنها و ألقاء الخطب العصماء دون أن يحركوا ساكنا و لو قيد أنملة لتغيير الواقع الفلسطيني المرير. فما من زعيم عربي إبتداء من عبد الناصر و مرورا ببومدين إلى القذافي إلى الأسد الإبن إلا و استخدم القضية الفلسطينية لترسيخ حكمه في بلده وبسط استبداده على شعبه باسم مكافحة إسرائيل و فأصبحت فلسطين بوابة للبحث عن شرعية مفقودة.

فالظواهري يوبخ حماس و قادتها لأنهم لم يعترفوا به قائدا و مرجعا و لم يخرج الفلسطينيون على بكرة إبيهم للتظاهر و هم يحملون صور قادة القاعدة أو الظواهري. بل العكس، إذ لا تتردد المنظمة الفلسطينية، و هي أصلا منظمة تابعة للأخوان المسلمين في الأردن و ذراعها السياسي جبهة العمل الإسلامي، لا تتردد في رفض أطروحات الظواهري علنا و محاولاته لاستغلال القضية الفلسطينية. فكم من مرة رد الزعماء الفلسطينيون، و خاصة زعماء حماس، على أطروحات الظواهري بالسلب و الإستنكار و طلبوا منه مرارا التوقف عن التدخل في الشؤون الفلسطينية لأنهم لا يريدون تزكية الإرهاب و لا يودون الخلط بين قضية عادلة و قضية الإرهاب المنبوذة من قبل كل مجتمعات العالم.

كما أن الرجلين يتصارعان على حلبة العراق و يبذلان محاولات يائسة لبسط النفوذ و السيطرة على ما أمكن و ما تبقى من فلول المقاتلين السنة. فكلما تحدث بن لادن إلى "الشعب العراقي" رد عليه الظواهري "بكلمة" صوتية أخرى تحدث ضجيجا إعلاميا وتحاول أن تذكر الجميع بأنه "رقم مهم" في المعادلة الجهادية و أنه صاحب رأي وأنه مرجعية لا مفر منها. و لعل صعود نجم أبي يحي الليبي في هرم القاعدة سيغذي المشاحنات و يؤجج نار المنافسة في صفوف التنظيم خاصة و أن الليبي بدأ مشواره بخطب نارية و "رسائل قاتلة" تؤكد تفوقه الخطابي و الفقهي و تؤسس لمعارك أخرى طاحنة في صفوف "القيادات المجاهدة".


الجمعة، 21 مارس، 2008

أيمن الظواهري يرثي ضحاياه و يقر بهزيمته

عجيب أمر أيمن الظواهري، الرجل الذي وُلِد ليحي رقما ثانيا إلى آخر أيامه. ها هو "القيادي" الذي لا يقود سوى الكلمات الجوفاء على شبكة الإنترنت يخرج بخرجة أخرى تدعو أكثر من سابقاتها إلى الضحك و السخرية. فالدكتور الشيخ، كما يسميه صديقه في الإرهاب الفكري عبد الباري عطوان، خرج علينا هذه المرة برسالة أخرى سماها رثاء أبي ليث الليبي.

أن يرثي الظواهري ضحيته، الذي بات مؤكدا بأن له الضلع الأكبر في التخلص منه بسبب تنامي دور المقتول في قيادة القاعدة، فهذا شيء عادي، لأن الظواهري يريد برثاءه لليبي أن يبرأ ساحته و يستبق أية إتهامات له بمقتل القيادي الصاعد. أما أن يستعمل هذه المناسبة للرد على مراجعات شيخه و معلمه سيد إمام الفضل فذلك أمر لا يستدعي الحيرة لأن الرجل عودنا منذ رحيله إلى أفغانستان و محاولاته اليائسة للتربع على عرش القاعدة أنه يفعل كل ما في وسعه، حلال كان ذلك أم حرام، كي يقود خوارج القاعدة، مهما كلف الثمن.

مسألة غدر الليبي و التخلص منه من قبل الظواهري أمر مفروغ منه لأن الرجل عازم على مواصلة قتل المسلمين سواء بطريقة مباشرة مثل ما يفعله في اقتناص كل من تسول له نفسه أن ينافسه على قيادة القاعدة، أو بطريقة غير مباشرة على غرار ما يقوم به بتحريض و دفع الشباب المسلم إلى الإنتحار و القتل و الدمار في العراق و الجزائر و غيرها من بلاد المسلمين.

ليس بالجديد في حياة الشيخ الدكتور قتل المنافسين و المناوئين. فقد أفاد الإستخبارات المصرية بعيد مقتل السادات بكل التفاصيل المتعلقة برفاقه في الجهاد المصري و إلصاق التهم بهم، أدت إلى اعتقال أعداد منهم و إعدام نفر منهم. و كان من ضحايا الظواهري في تلك الفترة شباب آمنوا بقضية الجهاد، نذكر منهم عصام القمري، إبراهيم سلامة، و نبيل نعيم.

إذن، ليس القتل جديدا في حياة الشيخ. و أول ضحية له ذلك الشاب اليافع الذي لم يتعد الخمسة عشر ربيعا حينما أصدر الشيخ الدكتور قرارا بإحالته على "المحكمة الشرعية" التابعة للجهاد المصري و بإعدامه لاحقا في القاهرة في الثمانينات بتهمة العمل كمخبر للإستخبارات المصرية، كما ذكر رفيق الظواهري و محامي الجماعات الإسلامية منتصر الزيات. تلى هذا الإغتيال إغتيالات أخرى على يد أو بأمر من الظواهري كقتل زعيم الأفغان العرب الشيخ عبد الله عزام في باكستان سنة 1989 بعدما تآمر عليه رفقة أسامة بن لادن لقتله و إفساح المجال لبن لادن ليتربع على ما يسمى بالمجاهدين و اختيار الظواهري "رقما ثانيا" له.

و مما لا شك فيه أن أيمن الظواهري هو الذي دبر مقتل أبي ليث الليبي موقعا إياه في الكمين الذي أودى بحياته. ذلك أن نجم الليبي الصاعد بدأ يضيء الطريق أمام مقاتلي القاعدة و أجزاء من قياداتها الأيديولوجية و الميدانية لرفع الليبي و ترقيته إلى منصب أعلى ينافس من خلاله الظواهري على منصب "الرقم الثاني." فالليبي أصبح يحضى باحترام الكثير نظرا لكفاءاته العسكرية العالية و البلاغية و الفقهية التي اكتسبها خلال العشرين سنة التي عاشها في حقل العمليات في أفغانستان و ربما في مناطق أخرى.

في انتظار ضحية أخرى من ضحايا أيمن الظواهري من أقطاب القاعدة، و بالخصوص الليبيين منهم، نظرا للمنافسة التاريخية بين المصريين و الليبيين على الريادة، نلقى نظرة خاطفة على المغزى الحقيقي لرسالة الظواهري ألا و هو الرد على السيد إمام و مراجعاته و التي أضحت هاجسا يلازمه و يطارده و يعكر صفو حياته.

لذلك جاء رثاء أبي ليث الليبي مناسبة للدعاية لرسالته المكتوبة التي يتهجم فيها على معلمه الدكتور فضل محاولا تارة الظهور بوجه متسامح و تارة بأسلوب عقابي و تحذيري ضد الشيخ التائب و أتباعه.

جاءت، إذن، "التبرئة: تبرئة أمة القلم و السيف من منقصة تهمة الخور و الضعف" لترد بحزم على ما جاء من حقائق و إرشادات في كتاب سيد إمام "وثيقة ترشيد الجهاد في مصر و العالم." ذلك أن السيد إمام أماط اللثام عن الماضي الدموي و الإنتهازي لأيمن الظواهري، كاشفا عورة طبيب المعادي الذي يحاول عبثا الظهور بمظهر القائد المغوار و الفقيه العالم. فليس في الظواهري صفة واحدة من صفات القائد و لا مؤشرا واحد على غزارة علمه الديني. بل خلاف ذلك، كل الدلائل تشير إلى العكس: حتى الصفحات الجهادية الإلكترونية التي يكتبها و يحررها المراهقون العاطلون عن العمل في مختلف أصقاع العالم الإسلامي لا تذكره بالقائد و لا تنعته بالعالم. ذلك لأن القيادة كاريزما و الإمامة معرفة و بلاغة. إنه مجرد طبيب أكثر ما يمكن أن يقال عنه أنه طبيب رديء. و يذكر الدكتور فضل في حديث له مع صحيفة الحياة أن الظواهري كان طبيبا من الناحية النظرية فقط، إذ أنه لم يكن بمقدوره القيام بعمليات جراحية إلا بعدما قضى مدة طويلة تحت مراقبة الدكتور فضل و تعليمه إياه إجراء العمليات الجراحية في المستشفى الكويتي ببيشاور الباكستانية.

يعترف أيمن الظواهري بأن مراجعات السيد إمام جعلته يجد نفسه "في موقف في غاية الحرج، إن أنا سكت زعم المستفيدون من كتابة الوثيقة أنهم نجحوا في تشكيك المجاهدين في منهجهم...و إن أنا رددت فربما يكون ردي إنتصارا لنفسي." ليس هناك إعتراف بـِشرّ الهزيمة أكبر من هذا الإعتراف الذي يؤكد الصدى المدوي لكلمات الدكتور فضل و وقعها على قلوب وعقول الشباب المغرر بهم في كهوف باكستان و أفغانستان و العراق و غيرها.

و لعل اعتراف الظواهري بأن هذه المراجعات صاحَبها "ضجة و اهتمام" إعتراف مباشر بأن الساحة الإعلامية التي يحاول الإستحواذ عليها بالظهور بمناسبة أو بغير مناسبة ضاقت به وأصبحت تعج بوجوه أخرى غير وجهه، و برسائل أخرى غير رسالته الدموية.

و ما قول الظوهري بأن رده هذا على السيد إمام "من أصعب إن لم تكن أصعب ما كتبت في حياتي" إلا اعتراف بضآلة وزنه أمام حضور السيد إمام و اضمحلال رسالته أمام الكلمات المضيئة التي دونها أستاذه الدكتور فضل و التي غدت سيفا قاطعا في عالم الظواهري.

ثم يعلن الظواهري بأنه لن يتوانى عن القيام بأي شيء في سبيل الخلاص بنفسه، فيستبق الأحداث قائلا: "فإني أعلن لجميع المسلمين أنه لو أسرت أوغيري...لا تقبلوا منا إلا ما كتبناه و قلناه قبل الأسر ليس بعد." معنى ذلك أنه مستعد للتضحية بأي شخص كان و بأي مبدأ كان كي يحصل على رضا السلطات إذا ما وقع في الأسر. و معنى ذلك أيضا أنه مستعد للتغير و التبدل حسب ما تمليه الظروف. يا له من نفاقِ، و يا له جبن!

و الظواهري لا يتردد، كما أسلفنا، في استعمال كل الوسائل لبلوغ أهدافه. فمرة يدل على مواقع رفاقه من المجاهدين ليتسبب في قتلهم أو سجنهم و مرة يقتلهم و مرة يحرف كتبهم أو ينحلها و يعيد نشرها باسمه كما فعل حين حوّر كتاب السيد إمام "الجامع في طالب العلم الشريف" و أعاد نشره محشوا بأفكار تخدم مآربه و هذا ما جعل سيد إمام يتهم الظواهري و جماعته بالزندقة و السرقة و التزوير.

هذه المرة أيضا يحاول الظواهري تزييف الواقع و تعليل جرائمه مستدليا بأحاديث شريفة و أقوال أئمة سابقين كلها خارجة عن سياقها التاريخي. و كعادته راح يسرد وقائع تاريخية و أقوالا مشهورة، يحاول عبثا تبرير الأعمال الإجرامية التي تقوم بها جماعاته الإرهابية و التي يذهب ضحيتها المئات من الآلاف من المسلمين الأبرياء في أفغانستان و العراق و الجزائر. و هكذا يتحدث فضيلة الشيخ في تبريراته و مسوغاته، قائلا: "النساء و الصبيان و من لا يجوز قتله منفردا يجوز قتلهم إذا كانوا مختلطين بغيرهم و لم يمكن التمييز." يعني فضيلة الشيخ أن مجاهديه يمكن لهم قتل عشرات الأبرياء من الأطفال و الأبرياء في كل عملية يقومون بها ضد ضابط عسكري حكومي مثلا. ثم ضرب الشيخ مثالا آخر لتبرير قتل النساء و القصر قائلا: "إن القادة المسلمين كانوا يستعملون المنجنيق...و قد يصيب من يسميهم هؤلاء بالأبرياء...و يجوز رمي الكفار بالمنجنيق و لو قتل بلا قصد صبيانا و نساءا و شيوخا" و كأننا في عصر المنجنيق و ليس في عصر العبوات الناسفة و القاذفات و السيارات المفخخة و الأسلحة الدقيقة.

طبعا، الشيخ تناسى ذكر ما جاء في القرآن عن تحريم قتل الروح البشرية مهما كان أصلها و جنسها و لونها. رفض ذكر الآية التي تقول "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا." لكن هيهات أن يتذكر الظواهري النص القرآني... إلا عندما يريد توظيفه لتبرير جرائمه.

لن نطيل الحديث هنا عن محتوى كتاب الظواهري فهذا الكتاب محاولة يائسة أخرى للذود عن ما تبقى من مكاسبه القليلة بعدما هاجره الكثير ممن غرر بهم و خسر المعركة الميدانية في أفغانستان و العراق كما خسر المعركة الفقهية-الشرعية مع أكبر منظر للجماعات الجهادية، أستاذه و معلمه الشيخ عبد العزيز عبد القادر، الذي تاب و عاد إلى طريق الصواب.

يبقى أن نذكر هنا أن كتاب التبرئة يعج بالمغلاطات الفقهية و التاريخية بالإضافة إلى أسلوبه اللغوي الهون الذي لا يرتقي إلى مستوى كتب كبار الفقهاء و علماء الدين.

في الأخير نذكّر الشيخ الظواهري ببعض الأبيات التي خطها أمير الشعراء، أحمد شوقي، ناصحا أمثال هذا الجهادي الذي ينسب لنفسه زيغا و بهتانا العلم و المعرفة و الجبروت لعل ذلك يذكره، إن نفعت الذكرى، ببعض الحكمة:

وتجنب كل خلق لم يرق إن ضيق الرزق من ضيق الخلق

كل حي ما خلا الله يموت فاترك الكبر له والجبروت

أطلب الحق برفق تحمد طالب الحق بعنف معتدي

أحبب الطفل وإن لم يك لك إنما الطفل على الأرض ملك

هو لطف الله لو تعلمه رحم الله امرأً يرحمه




الجمعة، 7 مارس، 2008

قراءة في مقتل عماد مغنية: سوريا تطلق حزب الله


حادثة إغتيال القيادي العسكري لحزب الله عماد مغنية في دمشق سابقة خطيرة في المعادلات الإقليمية للمنطقة ليس فقط بسبب إغتيال قيادي بحجم مغنية و لكن بسبب الإرتباك السياسي الذي نجم عن هذه الحادثة.

فمقتل هذا القيادي الميداني يعيد إلى الأذهان الكثير من الأحداث التي عرفتها المنطقة و التي يصعب فهمها و تفكيك شفرات رسائلها. و أهم هذه الأحداث مقتل صبري البنا، القيادي الفلسطيني المعروف باسم أبو نضال، في بغداد قبيل بدأ الحرب في العراق في بداية سنة 2003. فقد إغتال نظام صدام حسين أبا نضال للتخلص منه و بعث رسالة واضحة للإدارة الأمريكية التي كانت ماضية في التحضير للحرب مفادها أن العراق لم يعد ملجأ للإرهابيين و أن العراق أقدم على التخلص من آخر الإرهابيين المطلوبين أمريكيا. لكن الرسالة جاءت متأخرة و غير كافية، و تلكم قضية أخرى.

بخلاف المرات السابقة التي تتشدق فيه إسرائيل بمقتل أعدائها و تحاول قدر الإمكان تضخيم الأمور و إظهار إنجازاتها المخابراتية و الميدانية للعالم على أنها بطولات لإثبات أسطورة إسرائيل التي لا تهزم، لم يبد زعماء الدولة العبرية أي دليل يثبت تورطهم في هذه العملية و لم يتباهوا بنجاحهم رغم الرغبة الملحة للتبجح بنجاح باهر في خضم الحرب الإعلامية التي يخوضها العدوان اللدودان و خاصة بعد كارثة صيف 2006 في لبنان.

الخاسر الأكبر في هذه العملية هو بالدرجة الأولى هو حزب الله و الجماعات الإرهابية الأخرى التي تتغطى تحت شجرة النظام السوري، فسواء تمكن هذا الأخير من اعتقال القتلة المحتملين للزعيم اللبناني أو لم يتمكن من ذلك. فإن تمكنت أجهزة الإستخبارات و الأمن في دمشق من اعتقال أي فرد تستطيع إلصاق التهمة له سيكون إعترافا ضمنيا بتغلغل الأجهزة الإستخباراتية الأجنبية للتراب السوري و اختراقها للأجهزة الأمنية السورية و هذا يعني استحالة توفير الأمن لكل الذين فروا من بلدانهم طلبا للأمن في سوريا.

أما إذا لم توقف السلطات السورية لأي مشتبه به فإن ذلك يؤكد نظرية المؤامرة السورية و محاولتها التخلص من ضيوف أضحوا عبئا ثقيلا عليها و مصدرا لقائل كثيرة كوضعها في قائمة الدول الراعية للإرهاب و المصائب التي يجلبها هذا التصنيف. و هذه الفرضية هي الأقرب إلى الواقع. ذلك أن النظام في دمشق يئس من تراكم الإحباطات التي يجلبها واحدة تلو الأخرى هؤلاء الضيوف من أعضاء حزب الله و جند الشام و فتح الإسلام و المقاتلين الأجانب الذين يعبرون إلى العراق الذين جاءوا في بداية الأمرلتبادل الخدمات مع النظام السوري: السماح لهم بالإقامة و الحركة مقابل إستعمالهم كأوراق ضغط من قبل نظام الأسد لتحقيق مآربه و البقاء في سدة الحكم.

بعد تجربة طويلة في احتضان مختلف التنظيمات المقاتلة و مقاتليها، أصبحت دمشق تعي أن الضرر الذي يجلبه أولائك الإرهابيون أكبر بكثير من الفائدة المرجوة منهم. فالنظام تأكد أن العدو رقم واحد، أي إسرائيل، لا يريد تغييره لأن هذه الأخيرة لن تجد أفضل من عائلة الأسد لإدامة حالة اللاحرب و اللاسلم و التي تخدم إسرائل بالدرجة الأولى، ناهيك أن النظام السوري أثبك في أكثر من مناسبة أن المبادئ القومية التي يتغنى بها ليل نهار ما هي إلا شعارات جوفاء لا تسمن و لا تغني عن جوع. و لهذا فإن النظام العلوي في دمشق بدأ ينفذ سلسلة من الإجراءات هدفها إرسال رسائل مشفرة لألد أعداءه، إسرائل و الولايات المتحدة، فحواها الرسالة أن النظام السوري يريد العودة إلى حظيرة الأمم المعتدلة، شأنها في ذلك شأن ليبيا القذافي التي بدأت تجلب ثمار تحولاتها الجذرية.

و لأن التحالف الإستراتيجي مع إيران، و ذراعها العربية حزب الله، ليس بالتحالف الأبدي و لا بالتحالف الناجح سياسيا و اقتصاديا، و لم يجن النظام السوري سوى المصائب منه، بات من المؤكد أن دمشق يئست من العزلة و تريد التخلص من هذا الإرتباط في أقرب وقت ممكن كي ينجو النظام بنفسه و يحافظ على ما يمكن المحافظة عليه قبل فوات الأوان.

يخطأ الذين ينساقون وراء الخطاب الرسمي السوري و ما يوازيه من تهريج سياسي و كلامي من قبل حزب الله لتقبل فكرة اغتيال عماد مغنية من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة. فالدولتان لم تستطيعا أن تقتلاه كل هذه السنين رغم تربعه على قائمة المطلوبين لأن السوريين قدموا له الحماية اللازمة لأمنه و سلامته و استعملوه لتحقيق أغراضهم و بالمقابل سُمح له باستعمال سوريا ملجأ و مخبأ و مركز انطلاق لعملياته. لكن لما أصبح الرجل عبئا ثقيلا على النظام لم يتردد هذا الأخير عن التخلص منه لأن الربح الذي سيجنيه من أمريكا أكبر بكثير من الإحتفاظ به. و ليست هذه العملية الأولى، و بالتأكيد لن تكون الأخيرة، لأن سوق المساومة و التنازلات بدأ و النظام السوري يعرف كيف يقدم الهدايا التي ترضي من يهددونه. و سوف تعرف الآونة المقبلة إغتيالات أخرى لتأكيد نية النظام في تغيير مساره.

و لعل في اغتيال عماد مغنية عبرة لخالد مشعل و رفاقه المقيمين في سوريا. لأن الأسد و أجهزته سيضطرون لتقديمه أضحية لإحتواء غضب إسرائيل من تصاعد دور حماس في غزة و كسب ود الإدارة الأمريكية التي فقدت صبرها مع النظام السوري. فبقاء خالد مشعل في دمشق إنتحار مبرمج و مؤكد له لا ينتظر سوى موعدا للتنفيذ. ذلك لأن القاعدة الثابتة في حياة الأنظمة الشمولية أن الضيوف يضلون ضيوف مهما طالت زيارتهم و مهما بالغ المستضيف في كرم ضيافته. فسيأتي يوم يبلغ الضيف وزن مثقاله، إذ عكس الأنظمة الشفافة التي تطلب من الضيف الثقيل أن يرحل إذا ما تجاوز حدود الضيافة فإن الأنظمة القاتمة تلجأ دائما إلى " الحل النهائي" ألا و هو التخلص من الضيف إلى الأبد.


الجمعة، 29 فبراير، 2008

نجمو لعبة شد الحبل بين إيران و الولايات المتحدة الأمريكية

العلاقات بين الدول تحكمها المصالح لا العواطف. هذه مقولة أثبتت صحتها في العلاقات الإيرانية-الأمريكية. فبرغم العداوة الظاهرة بين البلدين على مختلف الأصعدة، تسيطر البرغماتية السياسية على التعاون الثنائي بين القوة العظمى و القوة الإقليمية الإيرانية.

هكذا يبدو أن التعاون الإستخباراتي الإيراني-الأمريكي بدأ يعطي ثماره على الميدان. فلا يمكن أن يدخل في الحسبان أن أمريكا تستطيع أن تقضي على خصومها من كبار قادة القاعدة، أكان ذلك في أفغانستان أم في العراق، بنفسها دون تنسيق و تعاون وثيق مع أعتى و أقوى جهاز إستخباراتي في المنطقة: جهاز المخابرات الإيرانية.

فرغم أن إيران و الولايات المتحدة يبدوان في أولة وهلة أنهما في صراع مرير للسيطرة على مجرى الأحداث و منابع الثروة في الخليج و العراق و أفغانستان، بالإضافة إلى النووي، إلا أن الحكمة القائلة بأن "عدو عدوي صديقي" أثبتت صحتها في العلاقة بين الدولتين. فبعد سلسلة من اللقاءات العلنية بين الطرفين أطلق عليه مصطلح "الحوار" بدأ النقيضان تعاونهما العملي في الخفاء و ذلك لدحر و استئصال العدو المشترك: القاعدة و أتباعها السلفيين الجهاديين اينما كانوا. و الطرفان أمام خيار واحد لا ثاني له: التعاون من أجل المصلحة المشتركة، و البقاء الفعال على الساحة.

الإدارة الأمريكية تريد نصرا سريعا و باهرا ضد القاعدة. و هذه الإدارة لن تتوان لحظة و لن تتردد هنيهة في استعمال كل الوسائل، و لو تطلب منها ذلك التعامل مع الشيطان، لتحقيق هذا الغرض و لو على حساب بعض المبادئ. ذلك لأن القضاء على القاعدة قبل نهاية ولاية الرئيس بوش يعتبر تتويجا لسياساته الرامية إلى استئصال شوكة القاعدة و تحقيق النصر النهائي.

أما إيران الشيعية فمشكلتها مع القاعدة و الجماعات الجهادية السنية معركة طويلة الأمد و تريد استغلال الوجود الأمريكي في المنطقة لتحقيق هدف أضحى من أولويات الملالي الإيرانيين: القضاء على العدو السني قبل أن يسترجع أنفاسه و يؤسس دولا في أفغانستان و العراق تهدد سيطرة إيران على المنطقة. و إيران محاصرة بين فكي القاعدة: القاعدة الأم في أفغانستان و القاعدة في بلاد الرافدين. و للقاعدة تاريخ مرير مع نظام الملالي في طهران الذي يقبع في أقبيته عشرات السجناء الجهاديين الذي حاولوا استخدام التراب الإيراني معبرا للمرور من و إلى العراق، من بينهم أعضاء من أسرة بن لادن، كإبنه سـعـد، و أسماء أخرى مشهورة في قيادة القاعدة. و قد نجح النظام الإيراني، على ما يبدو، في استغلال ضعف بعض هذه القيادات و ميولاتها المتذبذة و شق شرخ في أوساط القاعدة، تحت التهديد أحيانا و تحت وقع الإغراءات المادية و المعنوية في أغلب الأحيان. و هكذا دفع النظام الإيراني قيادين في التنظيم الجهادي إلى التخلي عن قناعاتهم السابقة و ترك القاعدة و خيانة رسالتها الجهادية إما بحثا عن حياة أفضل في عاصمة "الروافض" أو ثأرا بالقيادة العليا للقاعدة التي يشعرون بأنها تركتهم بدون سند و لم تعمل على "تحريرهم" من قبضة الفرس.

و أحسن صورة لهذا التحول في حياة الجهاديين الذين وقعوا في أسر الإيرانيين ما أقدم عليه مؤخرا القيادي الجهادي نجم الذي لم ير أي حرج في خيانة القاعدة و مساعدة أمريكا، عبر الإيرانيين، على قنص قادة القاعدة واحدا تلو الآخر. و آخرضحية من ضحايا نجم هو أبو ليث الليبي الذي قتله صاروخ أمريكي في بداية هذا الشهر في وزيرستان.

و لعل نجم لم يكن يعرف بأن اعترافاته للمخابرات الإيرانية و معلوماته عن رفاقه في الجهاد ستجد طريقها إلى المخابرات الأمريكية، و لكن سواء عرف أو لم يعرف فالنتيجة واحدة: خيانته سببت مرة أخرى في مقتل أحد القادة الكبار في صفوف القاعدة.

و خيانة نجم ليست وليدة الأمس. فهو الذي باع "أمير القاعدة في بلاد الرافدين" أبو مصعب الزرقاوي للإرانيين الذين زودوا الأمريكان بدورهم بالمعلومات الدقيقة التي أدت إلى قتل رامبو الرافدين. و لو العمل الإستخباراتي الذي قام به نجم مع الإرانيين لما وصل الأمريكان إلى معقل الزرقاوي. و قد أدى مقتل الجهادي الأردني في العراق إلى دق ناقوس الخطر و توقف سيل حركة القاعدة عبر إيران خشية الوقوع في كمائن نجم التي ينصبها ضد رفاقه السابقين.

و ستكون الأيام القادمة حافلة بالإغتيالات "المستهدفة" أي التي يخطط لها مسبقا من قبل المخابرات الأمريكية في العراق، بالتعاون مع المخابرات الإيرانية و ذلك بناء على المعلومات الدقيقة التي يقدمها نجم عن اتصالاته مع مختلف حركي القاعدة الذين لم يستفقوا بعد و لم يدركوا مدى و خطورة التعامل مع ياسين و النتائج الكارثية التي تترتب على خيانته لهم.

ترى من هي الضحية القادمة لنجم؟ ربما الظواهري أو بن لادن أو أحد القادة من "الصف الثاني" من صفوف القاعدة أو أحد الممولين المقيمين في بلدان الخليج، و عددهم لا يحصى، و هو على علم و اتصال دائم بهم ما دامت القيادة العليا للقاعدة تعتبره مهما و حلقة وصل بين الجهاديين المقيمين في إيران و باقي الجهاديين المقيمين في الخليج. فمن تجرأ على خيانة واحدة لن يتردد في خيانات أخرى، تلكم هي طبيعة الإنسان.




الخميس، 21 فبراير، 2008

هـل يـتـوب بن لادن؟

هل يستفيق أسامة بن لادن، يوما ما، و يعلـن أمام الملأ توبته قبـل أن تـُـعلن من قبل آخرين كهزيـمة؟ هـل يستغل أبو الجهاد الإلكـتروني ما تبـقى له من صيت في أوسـاط الـجهاديين و يـسـتـبق الهزيمة المحتومة؟ هل يعترف يوما بأن ما اقترفه من جرائم ضد المسلمين بصورة مباشرة في العراق و أفغانستان أو غير مباشرة بأفعاله التي جعلت العالم بأسره ينظر إلى كافة المسلمين نظرة شك و ريب، هل يعترف بأن هذه الأفعال ضررها أكثر من نفعها؟ هـل يعترف يوما بأن العشرات من الآلاف من المسلمين الذين قضوا نحبهم في العراق بفضل سياراته المفخخة ضحايا لأفكاره الشاذة الغريبة عن سماحة الإسلام نظريا و عمليا ماتوا خطأ بسبب نزوة شخصية عابرة؟

لقد أ ُعطي أسامة بن لادن قدرا كافيا من الوقت وفرصا عديدة لمراجعة نفسه و العودة إلى جادة الصواب و لعله يدرك يوما أخطاءه و يتراجع عن خطته الجهنمية لتكفير المسلمين و خلق الفتنة بين فرقهم لسبي النساء و رفع أعداد الآرامل و الأيتام. فسماحة الإسلام تدعو أهل الخطايا إلى الإعتراف بأخطاءهم طلبا للرحمة والمغفرة، فقد جاء في سورة النور، الآية 31 "و توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون."

فإن كان بن لادن مؤمنا بحق فما عليه إلا أن يكف عن تحريض الشباب المسلم لقتل المؤمنين و سفك دماء البشر من مسلمين و غير مسلمين، ذلك أن زرع الفتنة و قتل الروح البريئة من أسوء ما يمكن للمسلم أن يقترفه. و إن كان بن لادن مؤمنا بحق فما عليه إلا أن يعد خطابا مفصلا يقرأه على الملأ عبر الوسائل الإعلامية التي إعتاد استعمالها لمخاطبة مستميعه ليحث الشباب على وقف الأعمال الإجرامية التي تزهق أرواحهم و أرواح الأبرياء من المسلمين في العراق و الجزائر و أفغانستان و غيرها من البلاد التي يقطنها الشباب المسلم الذي يبحث عن أجوبة لأسئلة محيرة و لم يجدها في كلمات بن لادن الرنانة التي تدعو إلى القتل و الدمار.

هناك مؤشرات على تراجع خطاب بن لادن في أوساط الشباب، كما أن هناك مؤشرات تدل على تغير منهجي في لغة بن لادن الدعائية حيث ظهرت في الآونة الأخيرة و كأنها أصيبت بوهن و ترهل. فقد ذكر في رسالته الصوتية "إلى الشعب العراقي" أن مجال التوبة مازال مفتوحا، قائلا: "و ينبغي المسارعة و التوبة إلى الله تعالى من الذنوب و لا سيما الكبائر كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: إجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله و السحر و قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق و أكل الربا و أكل مال اليتيم و التولي يوم الزحف و قذف المؤمنات الغافلات (متفق عليه)." و لعل الأفكار الواردة في مراجعات السيد إمام و توبة هذا القائد الجهادي أثرت أيما تأثير على مجرى الأحداث و دفعت بأسامة بن لادن إلى التفكير في استباق الأمور، قبل انفلاتها، و استفحال ظاهرة المراجعات و التوبة في أوساط الجهاديين.

و قد يكون هذا التوجه للتوبة و الإعتراف بالخطأ نتيجة لليأس الذي بات يخيم على مضاجع الإسلامويين و يعكر صفو حياتهم بسبب الهزائم الميدانية و عدم تحرك قضيتهم قيد أنملة منذ إعلانهم الجهاد ضد البشرية جمعاء. فالقضية الأم، القضية الفلسطينية، لم يصلها صدى خطابات و خرجات بن لادن الإعلامية حيث لم تجد أذنا صاغية و لم يعلن إنتحاري فلسطيني و احد بأنه أقدم على فعلته تحت تأثير بن لادن أو أي واحد من أتباعه، بل أصدرت الجماعات الفلسطينية بيانات تحذر فيها القاعدة من تبني قضيتها خشية تحويلها من مسارها التحرري الأصلي. كما أن المسلمين لم ينتفضوا، شرقا وغربا، لتطبيق ما يدعو إليه بن لادن و أتباعه من قتل و حرق ودمار.

إن الله يمـهل و لا يهمل. هذا القول نداء لبن لادن ليراجع نفسه و يعود إلى الطريق المستقيم و ذلك قبل فوت الأوان. و هنا أقول قبل فوات الأوان لأن ملامح الهزيمة النكراء لما يسمى بالقاعدة و ما تسميه جهادا بهتانا و افتراء باتت واضحة. فخير لبن لادن و أزلامه أن ينسحبوا بشرف، إن بقي هنالك شرف، و يسألوا الله المغفرة و التوبة و يخلصوا البشرية من شر ما خلق.






الثلاثاء، 12 فبراير، 2008

أيمن الظواهري و العقدة المزمنة للقيادة المفقودة

المتتبع للساحة الإعلامية-الجهادية يلاحظ تزايد وتيرة الصراع على القيادة في صفوف القاعدة و فروعها في مختلف أصقاع العالم. فأيمن الظواهري، الذي قضى معظم حياته الجهادية في ذيل الترتيب القادي و بات يجد نفسه في الصف الثاني مع مرور السنوات و العقود، صعد من لهجته الإعلامية-الجهادية في محاولة يائسة اخرى للصعود إلى المواجهة و بسط سيطرته على التنظيم الجهادي الذي ما فتئ يتلقى ضربة تلو الأخرى إبتداء من أرض المعركة الميدانية في العراق و أفغانستان و انتهاء بحلبة الصراع الفكري-الديني بمصر حيث برزت مراجعات السيد إمام أو الدكتور فضل و أضحت خنجرا في قلب السلفية الجهادي و قيادتها بصفة عامة, و ايمن الظواهري بصفة خاصة.


فالدكتور فضل هو صاحب الفضل, إن جاز التعبير, في تأسيس التيار الجهادي في اكبار البلدان العربية سكانا, مصر, معقل اللإسلام و الحركات الإسلامية الإصلاحية, منذ الدولة الفاطمة إلى اللإخوان المسلمين إلى الجماعة الإسلامية. سيد إمام, كما يفضل اللآلاف من أتباعه تسميته, رجل العلم الغزير و صاحب التاريخ الجهادي الحافل, هو القائد الروحي و العملي للجماعات الجهادية الحديثة بدون منازع. فبعد أن نال من العلم الشعري ما يكفي ليتبرع على عرش الإفتاء العلمي – الجهادي دخل حلبة الجهاد من بابه الواسع و استطاع ان يستميل الشباب المسلم في مصر و العالم العربي زرافات و احدانا بفضل علمه الموسوعي و حنكتهو حبكته القيادية التي جعلت منه قائدا لابد منه في زمن ولت فيه القيادات و اندحرت فيه الشعارات تاركة الميدان الأشبه القادة و منظري الإنترنت من أمثال الظواهري و أبي يحي الليبي و ثلة المقاومين القابعين خلف شاشات الكمبيوتر.


سيد إمام لا يحتاج للجلوس أمام الكاميرات و الظهور أمام الملأ ليثب وجوده أو يدعم أفكاره: فقد كان دائما و ما يزال يستطيع أن يحرك جموع الشباب المؤمن في الخفاء بكلمات تحمل في طياتها أجوبة لأسئلة سئلت وأخرى لم تسؤل بعد, بينما يحتاج تلميذه المتعطش للقيادة, أيمن الظواهري, أن يطل تكرارا و مرارا على هذا الشباب العربي المحبط دون أن تحدث كلماته الرنانة الحاملة لذلك الخطاب الأجوف الزلزال الذي يصبو إليه في تجنيد الشباب المسلم في حملته ضد الغرب و الأنظمة العربية منذ أن ظن أنه الخليفة الطبيعي لأميره و سيد قراره اسامة بن لادن.


لذا تبدو الخرجات الإعلامية المتكررة للظواهري و كأنها نداءات يأس من رجل مغضوب عليه في صفوف جماعته يحاول كل ما في وسعه الخروج من قوقعته كي يظهر للعالم أن جذر إسمه هو الظهور, و قد لا يتجاوز الواقع جذر إسمه ليخلده في محله الدائم ألا و هو الظهور على الشاشات يهرج و يكشر بحثا عن كرسي القيادة الذي يبدو و كأنه يتهرب منه كلما حاول الجلوس عليه أو اقترب منه. و بما أن جذر إسمه يوحي ايضا بأنه ظاهرة فلعله يؤمن بذلك, لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن, فأيمن الظواهري حقا ظاهرة, لكنه ظاهرة صوتية ليس إلا. فقد تحدث الظواهري كثيرا و حاول إستمالة الشباب المسلم باستثماره في الهذر عن القضية الفلسطينية فلم يفلح في ذلك, لأن الجهاد الذي يصبو إليه لم يتحرك قيد أنملة و قوافل الجهاديين الفلسطينيين الذين كان يتصور أن يحركهم بنقرة كمبيوتر بمجرد القذف و القدح في حق القادة الفلسطينيين الشرعيين.


شتان بين رجل يحرك و يسكن الشارع بحبر أسود على ورق أبيض يدون كلماته مرة أو مرتين في كل عقد و رجل يظهر على الشاشات بكرة و أصيلا يهدد و يتعود و لا يجد أذنا صاغية. ذلك هو الفرق بين رجل ولد و عاش قائدا و رجل ولد و عاش تابعا.